إحدى أكثر التجارب التي لا تزال محفورة في ذاكرتي هي Firewatch الصادرة عام 2016. لم تكن مجرد لعبة، بل كانت رحلة إبداعية كاملة قدّمها فريق Campo Santo الذي اختفى عن الساحة منذ استحواذ Valve عليه عام 2019، تاركًا مشروعه الواعد In the Valley of Gods معلّقًا إلى أجل غير مسمّى، وهو المشروع الذي كان سيأخذنا في مغامرة فريدة تدور أحداثها في مصر. منذ ذلك الحين لم نحصل على تجربة مشابهة إلا مع The Invincible، لكن بعد انتظارٍ دام أكثر من تسع سنوات، ظهرت أخيرًا لعبة أخرى لتعيد الحياة لهذا النوع الخاص من التجارب السردية، سنتعرف عليها اليوم عبر مراجعة Arctic Awakening الكاملة.
قصة Arctic Awakening هي رحلة نفسية وإنسانية

تضعك Arctic Awakening في قلب مغامرة سردية من منظور الشخص الأول في القطب الشمالي الغامض، حيث تجد نفسك في دور Kai، الطيار الذي كان من المفترض أن يقوم برحلة روتينية لإيصال إمدادات إلى بلدة ألاسكية صغيرة. المهمة بدت بسيطة: الطيار الآلي مُفعل، وكل شيء تحت السيطرة، حتى بدأت تخطط مع زميلك Donovan لاحتفال صغير بعد العودة.
لكن العاصفة قلبت كل شيء. في لحظة خاطفة، ينشطر نصف الطائرة ويختفي Donovan وسط العاصفة الهوجاء. وعندما تستيقظ بعد التحطم، تجد نفسك وحيدًا في برية متجمدة لا ترحم، لا يرافقك سوى روبوت معالج نفسي مفروض عليك من المحكمة يُدعى Alfie، ودرجات حرارة قاسية تكاد تمزق الجسد.
هدفك الآن واضح: النجاة، العثور على صديقك، وربما معرفة سر القوة الغامضة التي قطعت الطائرة نصفين، والأصوات المريبة التي تعوي في الظلام.
القصة هنا هي أبرز نقاط قوة اللعبة؛ ليست مجرد صراع للبقاء، بل رحلة نفسية وإنسانية، تتكشف تدريجيًا من خلال حوارات عميقة مع الروبوت Alfie، إلى جانب مجموعة من الشخصيات الجانبية التي تسمع أصواتها عبر الاتصالات طوال الأحداث.
التمثيل الصوتي ممتاز سواء للشخصية الرئيسية أو الشخصيات الثانوية، مما يضفي واقعية ودفئًا على التجربة ويجعلك منغمسًا بالكامل في العالم.
ومع ذلك، القصة لا تخلو من سلبية واضحة وهي الإطالة والمط. اللعبة مُقسمة إلى خمسة فصول، مدة كل فصل قرابة الساعتين، لكن نسبة كبيرة منها أقرب لكونها walking simulator أكثر من أي شيء آخر. هذا الطول الزائد يجعل بعض اللحظات تفقد زخمها، وكان من الممكن أن تصبح التجربة أكثر إحكامًا واندماجًا لو أن كل فصل لم يتجاوز ساعة واحدة، مما يمنح السرد قوة وتماسكًا أكبر مع إيقاع أسرع وأكثر شدًا للانتباه.
—–
اقرأ أيضًا: مراجعة Lost Soul Aside
—–
كنت أريد المزيد من أسلوب اللعب

اللعبة تعتمد بشكل واضح على الاستكشاف البطيء، حيث تقضي معظم وقتك في التجول بين المناظر الطبيعية الخلابة للقطب الشمالي أو داخل المنشآت العلمية المهجورة.
ورغم جمال التصميم البصري والقدرة على خلق إحساس بالعزلة والرهبة، إلا أن التفاعل مع البيئة محدود جدًا؛ لا توجد ميكانيكيات بقاء حقيقية مثل إدارة الموارد أو القتال، بل يقتصر الأمر على المشي وحل بعض الألغاز البسيطة هنا وهناك. هذا يجعل التجربة أقرب لفيلم تفاعلي طويل أكثر من كونها لعبة مليئة بالتحديات أو التنوع.
إلى جانب ذلك، تقدّم اللعبة بعض الألغاز التي تضيف لمسة من التجديد، وفي أحيان معينة تكون هذه الألغاز مبتكرة وممتعة فعلًا. لكن المشكلة أن التكرار يطغى على التجربة، فكل فصل من الفصول الخمسة يتبع تقريبًا نفس النمط دون تقديم ميكانيكيات لعب جديدة.
حتى عندما حاولت اللعبة كسر الروتين في الفصل الأخير عبر إضافة ميزة قيادة مركبة، لم تستمر التجربة سوى دقيقة واحدة حرفيًا، مما جعلها تبدو كفكرة غير مستغلة بدل أن تكون إضافة حقيقية.
يمكن القول إن القصة هي البطل الحقيقي للتجربة، بينما أسلوب اللعب يعمل فقط كوسيلة لدفع السرد إلى الأمام. اللعبة لا تقدم تحديًا فعليًا، بل تجربة تأملية أقرب للمشي داخل فيلم تفاعلي جميل. هذا التوجه سيُعجب محبي ألعاب السرد البطيء، لكنه قد يسبب إحباطًا لمن يبحث عن تنوع أوسع أو ميكانيكيات لعب غنية.
رسوميات خلابة بموسيقى تصويرية مميزة

اعتمدت Arctic Awakening على طابع رسومي كارتوني مميز، لكن رغم بساطته الظاهرية إلا أن استخدام محرك Unity جاء في أفضل صورة ممكنة. الفريق استغل قدرات المحرك ليقدّم عالَمًا بصريًا أخّاذًا مليئًا بالمناظر الطبيعية الخلابة، سواء في الجبال الجليدية أو الهياكل العلمية الغامضة المنتشرة في أرجاء الخريطة.
ورغم التوجه الكارتوني، إلا أن التجربة ذكرتني كثيرًا بلعبة Firewatch من حيث التركيز على إبراز الجمال البصري في كل زاوية، ليصبح الاستكشاف في حد ذاته تجربة بصرية مبهرة للعين.
الموسيقى التصويرية لعبت دورًا محوريًا في بناء أجواء اللعبة. الألحان جاءت هادئة أحيانًا لتعكس عزلة البطل في القطب الشمالي، وفي أحيان أخرى مشحونة بالتوتر لتعكس الخطر والغرابة في الأحداث.
هذه الموسيقى لم تكن مجرد خلفية، بل كانت عنصرًا أساسيًا أضاف الكثير إلى القصة و أسلوب اللعب على حد سواء، مما جعل اللحظات المهمة أكثر تأثيرًا، ورسّخ شعور اللاعب بأنه يعيش داخل عالم غامض وحيوي في الوقت نفسه.
خلاصة مراجعة Arctic Awakening

تجربة Arctic Awakening تثبت أن قوة اللعبة تكمن في قصتها وأجوائها أكثر من أسلوب لعبها. السرد المشوق، الأداء الصوتي الرائع، والرسوميات الكارتونية المبهرة التي استغلت محرك Unity بشكل مثالي جعلوا من الاستكشاف رحلة بصرية وسمعية ممتعة، بينما أضافت الموسيقى التصويرية بعدًا عاطفيًا مؤثرًا.
لكن في المقابل، الاعتماد الكبير على أسلوب walking simulator وغياب التنوع في الميكانيكيات عبر الفصول الخمسة جعلا الإيقاع بطيئًا أحيانًا وأقل تماسُكًا مما ينبغي. هي لعبة مناسبة لعشاق التجارب السردية الهادئة، لكنها لن ترضي من يبحث عن تنوع أو تحديات عميقة.